أخبارأخبار عالميةثقافة

العولمة تطمس الثقافات المحلية للشعوب وتكرّس أجيالاً عالمية متشابهة

  • مارك ليلا: اختفاء صيغة “نحن” في خضم العولمة يقودنا نحو التمسك بقيم قديمة نثير بسببها النزاع مع الآخر لتفعيل صيغة الـ”نحن” وإثباتها
  • إيمي تشوا: لا ضير من الاحتفاء بهوياتنا المختلفة على أن نوجهها نحو خدمة المجتمع وليس تقسيمه
  • جيمس روبينسون: انعدام المساواة مجتمعياً بفعل صعود ثروات الأفراد بشكل فلكي مقارنة بهبوط دخل أغلب فئات المجتمع

 

دبي الامارات العربية المتحدة 

متابعة  سلام  محمد 

في جلسة حملت عنوان “كيف تطوّرت هوية الشعوب؟” قدّم مارك ليلا، مؤرخ وبروفيسور العلوم الإنسانية في جامعة كولومبيا، شرحاً مستفيضاً عن مفهوم العولمة ودورها في صعود مشاعر الاحتقان والتنازع حول قضايا الهوية، قائلاً: “لو بحثنا عن إجابة تقليدية ومبسطة لمشاكلنا، لقلنا إن العولمة هي سبب تواصلنا مع وجود اختلافات في ثقافاتنا، وهي التي قادتنا إلى معدلات هجرة أكبر، وما نشهده اليوم من نزاع هويات سببه شح الموارد الطبيعية أو اختلاف الآراء، وقد نذكر موضوع الهوية فقط لاستخدامه  ككبش محرقة لنزاعاتنا. وإذا كانت هذه هي الإجابة الحقيقية، فإن أمامنا أمرين، الأول: إلغاء التعلق بالهوية وأن لا نأخذها بجدية كبرى وتشجيع الاحتفاء بالاختلافات الثقافية، والأمر الآخر: علينا التحلي بتسامح أكبر مع الأشخاص من ثقافات أخرى”.

وأضاف: “المشكلة أكبر وأعقد مما نتصور، وتناولها بالبحث والدراسة قادني إلى قناعة قد تكون مختلفة عما هو سائد. فإنا أعتقد أن ما بدأنا اختباره في أوروبا وغيرها من الدول من صعود الشعور المتوتر بالهوية سببه ليس الاختلاف، بل التشابه. فالعولمة الاقتصادية سطّحت العالم، كما أخبرنا توماس فريدمان في كتابه، اقتصادياً وثقافياً كذلك، ومن دلالاتها تصاعد استخدام اللغة الإنجليزية، وتشابه المراكز التجارية في كل دول العالم بنفس الماركات التجارية، وتشابه المطاعم والمطابخ، وبحكم ثقافة الإنترنت بدأ أطفالنا يتشابهون أكثر مما تتشابه الأجيال السابقة”.

وتابع: “يتجه العالم بسرعة ليكون أحادي الثقافة، وكلما شعرنا بتشابهنا بدأ ذلك يثير مخاوفنا بشكل كبير. فثقافاتنا المتنوعة تتيح لنا نقل قيمنا إلى الآخر، وتكفل لنا الشعور بالالتزام تجاه مجموعة من الأشخاص، وتجاه مساحة من الأرض ندعوها الوطن، وتجاه منظومة قيمية تميزنا. فسياسات الهوية في العالم اليوم عائدة  ليس إلى نقص الثقة بالآخر، بل إلى الخوف من الثقافة الأحادية. فما حصل في أوروبا خلال العقود الثلاثة الماضية من صعود التجارة الحرة والانتقال الحر للسلع ولرأس المال البشري والمادي، وإنشاء الاتحاد الأوروبي المدمج بشكل بيروقراطي وليس هوياتي، قاد إلى تماهي فكرة الهوية، فلا معنى اليوم لهوية الهولندي، ولا البريطاني ولا غيره، وهذا نتيجة لشعورنا باللامكان، وهو ما يعرّض الشعوب للتأثر بالديماغوجية والخطابات الشعبوية النارية”.

واختتم بقوله: “اختفاء صيغة الـ”نحن” في خضم العولمة يقودنا نحو التمسك بقيم قديمة نثير بسببها النزاع مع الآخر لتفعيل صيغة الـ”نحن” ولإثباتها. وأرى أن الحل لهذه المشكلة الهيكلية في مجتمعاتنا الإنسانية حلاً وحيداً، وهو الاحتفاء بالهوية السياسية، أي بمعنى صفة المرء في دولة المواطنين وتمييز نفسه باختلاف رؤيته حول الخير المشترك والمصلحة العامة، والسبيل نحو ذلك هو تعزيز مصادر التربية المدنية وتعزيز الشعور بالمواطنة، ووجود حكومات متفاعلة مع مواطنيها”.

وفي كلمتها التي حملت عنوان “كيف نتجنب الانقسام العالمي؟”، قالت إيمي تشوا، بروفيسور قانون، كلية بيل للحقوق، ومؤلفة كتاب Political Tribes: “للإنسان ميل غريزي للانتماء إلى مجموعات مؤلفة من أفراد نظن أنهم يشابهوننا بشكل أو بآخر”. وضربت مثالاً في مشجعي كرة القدم، وتكوينها لشرائح مجتمعية أشبه بالقبائل.

وأشارت إلى أن القبائل قد تكون مصدر حماية وعمل مشترك، وقد تكون سبباً في إقصاء الآخر، وعدم الثقة به، خصوصاً مع وجود سياسات ممنهجة تغذيها وتعطيها الإطار اللازم لصعود هذه المشاعر العدائية في المجتمع، فالقبلية السياسية المعتمدة على اللون قد تؤدي بدورها إلى تشددٍ وانغلاقٍ ومشاعر غير صحية تجاه الفئات المجتمعية الأخرى. وما شهدته مرحلة النضال من أجل الحقوق المدنية في أمريكا في الستينات، تمحور حول عدم الاعتماد على لون البشرة في تقرير مصير الإنسان أو المجتمع، فكرامة كل فرد ينبغي أن تكون مكفولة فقط لكونه يتمتع بالمواطنة.

ولفتت إلى أن الانقسام المجتمعي وصل إلى قمته مع انتخابات الرئاسية الأمريكية التي فاز بها ترمب، وفي دول العالم الأخرى بدأنا نرى الديمقراطية تضع الرجال الأقوياء على رأس هرم السلطة، أولئك الذي يتغنون بشعارات تمس الشعور الوطني والقومي والإثني والديني.

وأكدت أنه لا ضير من الاحتفاء بهوياتنا المختلفة؛ هوياتنا السياسية وهوياتنا القبلية، وتوجيه هذه الهويات المتعددة للشخص الواحد (القبلية والسياسية) نحو خدمة المجتمع وليس تقسيمه. ويكمن التحدي في دور المؤسسات والقادة في جعل كل القبائل والمكونات قادرة على التفاعل بشكل إيجابي.

وفي كلمته بعنوان “لماذا تفشل الدول؟”، قال جيمس روبينسون، خبير اقتصادي وعالم سياسي، مؤلف كتاب Why Nations Fails?، إن من أسباب انعدام المساواة بين مختلف فئات المجتمع، عدم وجود مؤسسات قادرة على فرض نظام معين للمجتمع يحد من المسببات الفرعية لانعدام المساواة وصعود ثروات الأفراد بشكل فلكي مقارنة بهبوط دخل أغلب فئات المجتمع. هذه الأسباب الفرعية تتمثل في الاحتكار والفساد الإداري وتفضيل أفراد العائلة في منح العقود الحكومية وغيرها.  وأكد أنه قد تكون هناك نسباً متفاوتة في المساواة الاجتماعية حتى بين الدول التي تتمتع بمؤسسات قوية، وذلك عائد إلى تفعيل دور هذه المؤسسات، أو تغليب إيديولوجيات معينة تقود إلى تقويض المساعي لتحقيق مساواة أكبر في المجتمع.

وضرب مثالاً في في فرنسا وألمانيا واختلافهما عن بريطانيا والولايات المتحدة، ففي فرنسا وألمانيا يوجد دور لمؤسسات دولة الرفاه والتي تضمن الدعم الاجتماعي لكافة شرائح المجتمع على خلاف بريطانيا والولايات المتحدة اللتين مرتا بمرحلة قادت فيها مارغريت تاتشر بريطانيا ورونالد ريغان الولايات المتحدة، حيث قاما بإضعاف دور النقابات العمالية وسحب يد الدولة من تقديم خدمات اجتماعية.

واختتم بقوله: “تبقى هناك ضمانات في المجتمع الأمريكي والبريطاني لعدم انحسار المساواة من مفاصل المجتمع، فالمنظومة القانونية صلبة ومعقدة وقادرة على فرض عقوبات على الأثرياء وعلى المتنفذين في أجهزة الحكومة”. 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق