أخبارأخبار عالميةثقافة

نجيب محفوظ في ندوة الثقافة والعلوم

دبي الإمارات العربية المتحدة

سلام محمد

نظمت ندوة الثقافة والعلوم محاضرة بعنوان “مخطوطات مجيب محفوظ المجهولة” للناقد المصري محمد شعير مدير تحرير بمؤسسة أخبار اليوم، وحضر اللقاء بلال البدور رئيس مجلس الإدارة وعلي عبيد الهاملي نائب رئيس مجلس الإدارة وصالحة عبيد ومريم ثاني أعضاء مجلس الإدارة ونخبة من المهتمين.

قبل المحاضرة عرض فيلم توثيق لسيرة نجيب محفوظ منذ طفولته والمراحل التي مر بها في حياته، وأدار المحاضرة الكاتبة عائشة سلطان رئيس اللجنة الثقافية عضو مجلس الإدارة بالندوة، قائلة إن أول ما يمكن أن يتبادر لذهن أي قارئ مهتم بالأدب، وتحديداً أدب نجيب محفوظ، هذا السؤال، ما الجديد الذي يمكن أن نسمعه عن نجيب محفوظ، خاصة وأن الحديث عن نجيب وأدبه قد أشبع الحديث عنه وتناوله على أعلى مستوى.

نجيب محفوظ الذي لا يمكن اختصاره في صفة أو اهتمام ضيق واحد، فهو الكاتب والروائي والقاص والسيناريست، وهو الإنسان المصري البسيط ابن الجمالية الحارة المصرية التي اتكأت عليها معظم رواياته، وهو الأديب العالمي الذي حاز نوبل متفرداً بها بين أقرانه من الكتاب العرب، وهو الهادئ البعيد عن الصراعات والسجالات والصخب الإعلامي والحياتي، وفي الوقت نفسه هو من ثارت حول روايته “أولاد حارتنا” عاصفة جدل وخلاف احتدمت واتسعت دائرتها لتصل من جريدة الأهرام إلى قمة الهرم الديني في دهاليز الأزهر الشريف.

وعلقت قائلة أن محمد شعير الكاتب والناقد الأدبي، مدير تحرير أخبار الأدب في مؤسسة أخبار اليوم، وصاحب الكتاب الأشهر حول نجيب محفوظ وروايته “أولاد حارتنا … من سيرة الرواية المحرمة” وهو تتبع جيد لرواية أولاد حارتنا من مجرد فكرة إلى عمل روائي لقى جدل واسع حوله.

وعلق شعير بأن الحديث عن نجيب محفوظ في عام التسامح في الإمارات يتفق تمام مع شخصية نجيب محفوظ المتسامحة سواء من خلال مسيرة حياته التي مثلت نموذج لهذا التسامح في مصر والمنطقة العربية، حيث ولد نجيب محفوظ عام 1911 وتم الاستعانة بطبيب قبطي لتعسر الولادة وسمي نجيب محفوظ تيمناً باسم هذا الطبيب، وفي طفولته كانت أمه تقوده للمساجد والكنائس والمعابد القبطية والفرعونية قائله له أن كل هذه الأماكن (ملك الله)، كذلك تسامحه مع الشاب الذي حاول اغتياله عام 1995.

في عام 2011 احتفلت في اخبار الأدب بمرور 100 عام على ميلاد نجيب محفوظ وكان الاحتفال مختلف بأن كتبنا عن مصر في يوم 11/12/1911 أي حالة مصر يوم ميلاد نجيب محفوظ واكتشفت أن ما نعرفه عن نجيب محفوظ قليل جداً، وأن حياة نجيب مرتبطة بتطور وأحداث الشارع المصري، فيوم ميلاده كانت مصر في فترة استراحة بين ثورة عرابي وثورة سعد زغلول وكان المجتمع المصري في حالة من الاستعداد لمتغير مختلف.

وأضاف شعير في عام 1923 انتقل نجيب محفوظ من السكن في حي الجمالية إلى منطقة العباسية أي من منطقة شعبية إلى منطقة حداثية كانت بالنسبة له نقلة في مفهوم الحداثة، كذلك في العام نفسه حصلت مصر على جزء من استقلالها بوضع أول دستور لها.

وفي عام 1936 حسم نجيب محفوظ الأمر مع نفسه في أن يكون أدبياً بدل من السفر إلى فرنسا للحصول على دكتوراه في الفلسفة وقرر التفرغ للأدب والكتابة.

وتحدث عن رواية أولاد حارتنا التي نشرت للمرة الأولى كحلقات في جريدة الأهرام والتي احتفلت جريدة الأهرام هذا العام بمرور 60 عام على نشرها ومنعت من النشر ورغم ذلك تم بثها مسلسلاً إذاعياً في اشهر قليلة من المنع، وكيف أجرى عديد من المقابلات مع سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبدالناصر آنذاك وكثير من الشخصيات للوقوف على سبب منع استمرار نشر الرواية، ومن خلال هذا البحث توصل إلى عدد كبير من الأوراق والمخطوطات الخاصة بنجيب محفوظ والتي ستسهم في تشكيل قراءة جديدة لأدب محفوظ.

وعن تلك المخطوطات ذكر شعير عبارة ذكرها نجيب محفوظ عن نفسه “أنا ملك التمزيق، كلما تراكم عندي كوم نت الأوراق لا أعرف ما بها، هات.. مزق مزق، وإلا فإننا لن نجد مكان ننام فيه، دائماً نسكن في المسجد الذي نجده، وليس المسكن الذي نريده، فلم يكن هناك مكان احتفظ فيه بمخطوطاتي” هكذا وصف نجيب محفوظ نفسه.

وأكد شعير أن بدية بحثه عن المخطوطات كانت بالبحث عن مخطوطة “أولاد حارتنا” ما بين جريدة الأهرام التي نشرت أولاد حارتنا ومكتبة مصر ناشر نجيب محفوظ، ولدى أصدقائه الحرافيش القدامي، وفي بيت محمد حسنين هيكل وأماكن أخرى.

وأكمل شعير تقطعت أمامه سبل البحث التي خطط لها، وولم يعد أمامه إلا بيت نجيب محفوظ نفسع، وهو البيت الذي ظل منغلقاً على عوالم العائلة، ولم يكن للأديب في نصيب يذكر فغالبية حواراته ولقاءاته تجرى في المقاهي والمكاتب، حتى أن نجيب محفوظ قال ذات يوم ضاحكاً “لا أعرف شيئاً في البيت، حتى في مكتبتي، إنني إذا احتجت إلى مراجعة كتاب ما، أثق أن لدي نسخة منه، فالأفضل والأسرع ليس بالبحث عنه في البيت، بل أشتري نسخة جديدة”.

واستطرد شعير أنه التقى هدى ابنة نجيب محفوظ وأجابته بأنهم لا يملكون أي مخطوطات ولا معلومات عن رواية أولاد حارتنا، إلا أنها تذكرت صندوقاً صغيراً يتضمن أوراقاً قديمة احتفظت بها والدتها، وأنها لا تدري هلى هي كتابات أدبية أو أوراق مختلفة. وبالفعل قدمت صندوقاً من الكرتون بحجم كبير بها عديد من الأوراق وعندما أمسك بأحداها وقع على عينه اسم “عمر الحمزاوي” وهو أحد أبطال رواية الشحاذ، وكانت هذه أول ورقة يعثر عليها ناقد أو باحث أدبي بخط محفوظ وتتضمن نسخة الكتابة الأولى لرواساته، ليس فقط البروفة الأخيرة، لكن بروفات مراحل العمل وتطور الصياغة بما فيها من شطب وتعديل.

وذكر شعير قول جيرالد ليريتييه مؤسس متحف الآداب والمخطوطات في باريس “مع المخطوطات نغوص في الأعماق الحميمة للكاتب، نشعر بتواصل مباشر معه، نلامس حمضه النووي الإنساني”. لذلك تتيح المخطوطات فرصة نادرة للوقوف على المراحل التي سبقت صدور العمل الأدبي في صورته النهائي، والتعرف على تفاصيل العملية الإبداعية لديه وكيف يكتب أعماله وكيف يفكر والمراحل والتعديلات التي تطرأ على النص.

وأكد أن شعير المخطوطات كشفت أن نجيب محفوظ كان يكتب بالقلم الرصاص ربما لأن رغبته في المحو أكبر من الإثبات، وقد ذكر نجيب محفوظ في حوار معه أنه لا يبدأ الكتابة إلا بعد اكتمال الفكرة في ذهنه ونضوجها، ويكون على علم تام بأبعاد القصة من أحداث وشخصيات ويقول في ذلك “امتلك تخطيطاً ذهنياً للرواية قبل الكتابة ذاتها، الخطة فكرة عامة جداً، أما الكتابة فهي الرواية، وتبدأ بـ “معركة إعادة الخلق”، وهي مرحلة تكوين “الصورة الميدانية للعمل، وفي هذه المرحلة مهما يكن العمل مكتملاً قبل الكتابة، فإن هناك تعديلات وغضافات تأتي من “وحي القلم” ولهذا الوحي أثره البالغ بما يمكن أن تأتي به عملية الكتابة من إضافات أو تعديلات أو موازنات على ضوء ما تم وتصورات ما يجب أن يكون”.

وأضاف شعير أن التغيرات التي يجريها محفوظ في هامش الصفحة، وفي معظم الأحيان في الجانب الآخر من الصفحة ذاتها كثيرة، فهو في البداية يكتب بسرعة واندفاع كل ما يخطر في باله وبأية لغة: فصحى أو عامية أو حتى إنجليزي، باعتبار أنه أثناء الكتابة يكون حراً تماماً ولا يتنازل عن تلك الحرية، وبعد أن ينتهي من الكتابة الأولى تبدأ مرحلة الحذف أو “التشطيب” كما وصفها، لتكون كتابة مستقرة بالقلم الحبر لا مكان فيها للحذف أو الإضافة، والمقارنة بين المسودة الأولى للعمل والتي تكون فيها الموحبة وحدها حاضرة، وصورته الأخيرة التي تكشف الحس النقدي العالي بالتوازي مع الموهبة لدى نجيب محفوظ.

وعن ثلاثية نجيب محفوظ “قصر الشوق – بين القصرين – السكرية” ذكر شعير أنها كانت استثناء في تجربة نجيب محفوظ حيث قام بعمل أرشيف مستقل لكل شخصية من شخصياتها وذكر نجيب محفوظ في ذلك “كل شخصية لها ما يشبه الملف، حتى لا أنسى الملامح والبصمات”.

وضمن المخطوطات ملف كامل كتب عليه بخط محفوظ “تحت التجربة” يتحدد الطول والنوع والمعالجة”، وتم شطب العبارة ليكتب “قصص منشورة تمت كتابتها 1993 – 1994، ويضم الملف 40 قصة قصيرة لم تنشر وقت كتابتها، إلا أنها نشرت في مجلة نصف الدنيا فيما بعد.

وقال شعير أن رحلة البحث عن أوراق محفوظ أوقعت تحت يده أوراق وروايات غير مكتملة، كذلك السيرة الذاتية التي كتبها محفوظ عن طفولته وأسماها الأعوام، وقد أشار إليها الكاتب في كثير من حواراته. وقد كتب “اصداء السيرة الذاتية” والتي كانت على المخطوطة بعنوان “الوجود سيرتي الذاتية” وأجرى عليها العديد من التعديلات والتي امتدت إلى بناء النص ذاته ولغته، حيث كان محفوظ مولعاً بالمحو والاختفاء عبر تقنيات جمالية.

ومخطوطات نجيب محفوظ أو المسودات الأولى لأعماله الإبداعية تؤكد حالة الثراء الأدبي والعوالم المتنوعة التي يعيشها نجيب مع شخصياته كذلك الجرأة الأولى للحكاية قبل أن يستحضر حالة النقد الذاتي للعمل الأدبي في المسودة النهائية للعمل.

وقد اشاد الحضور بالمعلومات القيمة التي ذكرها الناقد ودارت عديد من النقاشات حول الموضوع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق